في السادس من سبتمبر، أُعلنت نتائج انتخابات برلمان ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية: حصل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) على 43.8% من الأصوات، أي أكثر من ضعف نتيجته قبل خمس سنوات، ولم يَعُد يفصله عن الحكم بمفرده سوى ثلاثة مقاعد. وانهار حزب المستشار ميرتس (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) من 37.1% إلى 17.1%، في أسوأ هزيمة إقليمية يتلقاها هذا الحزب العريق منذ عقود.
وكان رد فعل ميرتس في ذلك اليوم عبارة واحدة: «صدمة عميقة».
المغزى الحقيقي لهذا الخبر يكمن في المفارقة عبر الزمن.
خلال العقد الماضي وأكثر، لو عدّدت الحكومات اليمينية في أوروبا لاكتشفت ظاهرة مثيرة: الأكثر ضجيجاً منها كانت كلها تقريباً من البلدان الصغيرة. المجر وبولندا والنمسا — وزنها خفيف، لذا استطاع الاتحاد الأوروبي أن يعزلها كـ«حالات فردية». فمهما صخب أوربان، ظلّت الآلية المركزية لبريطانيا وفرنسا وألمانيا تدور كالمعتاد، مثل شجار على طاولة مجاورة لا يصل إلى طاولتك.
لكن انظر عن قرب، وستجد أن قائمة هذه الجولة قد تغيّرت كلياً.
تقول التقارير العلنية إن البلدان التي تتجه يميناً الآن في آنٍ واحد هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا — محركات الاتحاد الأوروبي الثلاثة — إضافة إلى الولايات المتحدة والهند واليابان، أكبر اقتصادات العالم وأكثر دوله سكاناً وأعظمها قدرةً تصنيعية. هذه دول «تصنع القواعد»، لا دول «تُطبَّق عليها القواعد».
لذا، حين تتجه دولة صغيرة يميناً يكون ذلك خبراً؛ أما حين تتجه قوة عظمى يميناً، فتلك متغيّرٌ على مستوى النظام.
1. من «تجربة على الهامش» إلى «اختراق في القلب»
انظر إلى أوراق القوى العظمى الثلاث، وستعرف أن الأمر ليس لعبة صغيرة.
ألمانيا: حصل حزب البديل (AfD) في الانتخابات الفيدرالية في فبراير 2025 على 20.8% من الأصوات، ضعف نتيجته السابقة، ليصبح ثاني أكبر حزب ويحتل المرتبة الأولى في الولايات الشرقية الخمس. وقبل ذلك بعام، في سبتمبر 2024، كان قد فاز بانتخابات ولاية تورينغن — للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وفي هذا الشهر، 43.8% في ساكسونيا-أنهالت، على بُعد ثلاثة مقاعد من الحكم بمفرده، ما جعل «الجدار الناري» يئنّ. والأخطر أنه صار الآن الثاني بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، والأول بين من هم بين 30 و44 عاماً. كان اليمين المتطرف يعتمد على متوسطي العمر الخائبين؛ أما الآن فصار يحصد الشباب.
فرنسا: حصل التجمع الوطني (RN) في انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو 2024 على نحو 31.4%، في فوز تاريخي أجبر ماكرون على حلّ البرلمان. وركبت لوبان أفعوانية قضائية — مُنعت من الترشح خمس سنوات في 2025، ثم قُلِّص المنع إلى خمسة عشر شهراً في الاستئناف عام 2026 لتعود إلى السباق — لكن نيّتها التصويتية في الجولة الأولى ثابتة بين 31% و36%، في المرتبة الأولى بارتياح.
بريطانيا: دخل حزب الإصلاح (Reform) البرلمان لأول مرة في يوليو 2024، ثم تصدّر استطلاعات الرأي بذروة تجاوزت 30%، ليدفع رئيس الوزراء ستارمر في النهاية إلى الاستقالة في يونيو 2026. في السياسة البريطانية، هذا يعادل وافداً جديداً يقلب الطاولة كلها.
بريطانيا وفرنسا وألمانيا تتجه يميناً في الوقت نفسه — هذه سابقة في أوروبا ما بعد الحرب.
لكن في هذه القوى العظمى الثلاث، لا يزال اليمين عند «الاقتراب من السلطة»، لا «الاستيلاء عليها».
ففي ألمانيا «جدار ناري» ترفض بموجبه كل الأحزاب التقليدية التحالف مع البديل؛ وفي فرنسا «الجبهة الجمهورية» تصدّ التجمع الوطني مرة تلو الأخرى؛ وحزب الإصلاح البريطاني لم يدخل الحكومة قط. ومن استولى فعلاً على السلطة حتى الآن هو دونالد ترامب في أمريكا وحدها.
لذا فإن الصدمة الحقيقية لهذه الجولة، إضافة إلى احتمال «حكومة يمينية» في المستقبل، هي أن اليمين يجرّ التيار الرئيسي إلى اليمين.
مثلاً: الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، لاستعادة الناخبين، مال بشدة نحو اليمين في قضية الهجرة؛ وحزبَا العمال والمحافظين في بريطانيا يتسابقان على تقليد أجندة الإصلاح في الهجرة؛ وتلاشى «الخجل» من التجمع الوطني لدى ناخبي يمين الوسط الفرنسي. اليمين لم يستولِ على السلطة، لكنه يدفع محور الإحداثيات لدى الجميع درجةً نحو اليمين بصمت. وهذا أخفى وأصعب انعكاساً من الاستيلاء على السلطة — لأن خصمك لا يقاومه، بل يقلّده.
2. درس التاريخ: الانعطاف يميناً ليس خطاً مستقيماً أبداً
سُمّيت هذه «موجة» لأنها تلتزم بإيقاع الانعطاف يميناً الثابت.
أولاً، الانعطاف يميناً يأتي على شكل موجات، لا بوتيرة ثابتة. موجة في ثلاثينيات القرن الماضي، وموجة بعد أزمة 2008 المالية، وموجة بعد أزمة اللاجئين عام 2015، وموجة الآن يدفعها التضخم وتكلفة الطاقة. وزناد كل موجة واحد: القلق الاقتصادي متراكباً مع القلق الهوياتي.
ثانياً، القاسم المشترك الأكبر هو مناهضة المؤسسة. ما يبيعه اليمين فعلاً ليس «يساراً مقابل يمين»، بل «انعدام الثقة في الأحزاب التقليدية والنخب والمؤسسات العابرة للحدود». وهذا ما يفسّر قدرته على سحب ناخبين من اليسار واليمين في آن واحد.
ثالثاً، «الجدار الناري» يستطيع الإبطاء، لا الوقف بالضرورة. والأخطر أنه كثيراً ما يدفع يمين الوسط التقليدي إلى التحرك يميناً هو نفسه لاستعادة الأصوات — وهذا ما يفعله الألمان والفرنسيون والبريطانيون الآن.
رابعاً، السلطة نفسها هي الاختبار. حين يكون اليمين حزب احتجاج، تتوهج هالته؛ أما حين يحكم، تتبدد هالة مناهضة المؤسسة وتنكشف عيوبه في الحكم. هُزم أوربان المجري بنسبة 53% أمام حزب تيسا الوسطي اليميني عام 2026 منهياً ستة عشر عاماً في السلطة. وعُزل فيلدرز الهولندي وأُخرج من الحكومة بتحالف الأحزاب التقليدية. وعُزل يون الكوري الجنوبي وأُقيل. وحُكم على بولسونارو البرازيلي بالسجن 27 عاماً. الفوز بالانتخابات والاحتفاظ بالسلطة شيئان مختلفان تماماً.
3. من يخرج إلى الخارج عليه متابعة تحوّلات سياسات البلدان المقصودة عن كثب
بعد الانعطاف يميناً، ما موقف أوروبا من الصين؟ ابدأ بالخطّين الأكثر مباشرة.
الخط الأول هو استيراد البضائع الصينية.
اللون الأساسي لليمين هو القومية الاقتصادية — «اشترِ ألمانياً وأطعم ألمانياً». دأب الاتحاد الديمقراطي المسيحي على الترويج لـ«إزالة المخاطر» (de-risking) لتقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية؛ وحزب البديل أكثر يمينية وأكثر تطرفاً، وأشد حرصاً على «صُنع في ألمانيا». أضف إلى ذلك الرسوم التعويضية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السيارات الكهربائية الصينية، وتحقيقاته بشأن الرسوم على الألواح الشمسية، وضريبة الكربون الحدودية (CBAM) التي تُطبَّق تدريجياً، فستجد أن باب السلع الصينية نحو أوروبا يزداد علواً عاماً بعد عام. والأخطر أن هذا لا يحدث فقط إذا وصل البديل إلى السلطة — فما إن يجرّ اليمين التيار الرئيسي يميناً حتى لا يجرؤ يسار الوسط التقليدي على أن يكون «موالياً للصين». الصادرات تتحول من «تكلفة جمركية» إلى «تكلفة سياسية».
والخط الثاني هو استقطاب الاستثمار الصيني.
هنا الموقف أدقّ وأكثر انقساماً. اليمين يهاجم العولمة شفهياً ويرفض «أن يشتري الأجانب ألمانيا»، لكن الولايات الألمانية الشرقية التي تعاني من تراجع الصناعة هي بالضبط الأكثر حاجةً إلى الاستثمار الأخضر وفرص العمل. لذا فالموقف الحقيقي طبقي: عمليات الاستحواذ (خصوصاً في البنية التحتية الحيوية والرقائق والموانئ والطاقة) تخضع لتدقيق متشدد يوماً بعد يوم، بينما قد تُستقبل المصانع الجديدة (greenfield) كضيوف شرف. بعبارة أخرى، بعد الانعطاف يميناً، يصبح «تعالَ واشترِ أصولي» أصعب، بينما قد ينفتح «تعالَ وابنِ مصنعاً ووظِّف أهلي» ثغرةً — بحسب القطاع والولاية التي تحطّ فيها.
هذه هي دفاتر الخروج إلى الخارج، وتستحق التفكيك بنداً بنداً:
البُعد الأول: افصل حساب التصدير عن حساب الاستثمار. بيع السلع إلى أوروبا يعني مواجهة ثلاث بوابات — الرسوم الجمركية والرسوم التعويضية وضرائب الكربون؛ وهي أوراق مكشوفة لا تزداد إلا غلاءً. أما بناء مصنع في أوروبا فيعني مواجهة ثلاثة أبواب — التدقيق والوظائف والتوطين؛ وهي أوراق خفية تتوقف على الولاية التي تختارها.
البُعد الثاني: القطاع يقرر مصيرك. السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والرياح والرقائق والذكاء الاصطناعي «قطاعات استراتيجية» يراقبها اليمين والتيار الرئيسي معاً، وفيها تكون إزالة المخاطر أشدّ شراسة؛ أما الإلكترونيات الاستهلاكية والأدوات المنزلية والمنتجات الصناعية العامة فحساسيتها السياسية منخفضة ويمكنها الفوز بفضل القيمة مقابل السعر. الخروج إلى الخارج لم يعد سؤال «هل نذهب إلى أوروبا»، بل «في أي قائمة ستقع».
البُعد الثالث: مراجعة الأمن سكين بطيء. لائحة الاتحاد الأوروبي بشأن الإعانات الأجنبية (FSR) وآلية فحص الاستثمار الأجنبي تضيقان عاماً بعد عام؛ وبعد الانعطاف يميناً، لن تزداد هذه الأدوات إلا استخداماً وشراسة. اللعبة الصينية القديمة «اشترِ هدفاً صغيراً لاختبار المياه» تشهد تضيّق نافذتها.
البُعد الرابع: التوطين ليس مكافأة، بل تذكرة دخول. ما يهمّ اليمين أكثر من أي شيء هو الوظائف والقاعدة الضريبية. من يجلب وظائف وضرائب وسلاسل إمداد محلية يمتلك صوتاً؛ ومن يأتي فقط «ليبيع ويسحب الأرباح» يصبح هدفاً. كان الخروج إلى الخارج يعني «البيع هناك»؛ أما الآن فيعني «التجذّر هناك».
لذا، بالنسبة لمن يخرج إلى الخارج، لا يمكن اختصار الانعطاف يميناً بعبارة «صار أصعب». إنه دفتر يختلف باختلاف الطبقة والقطاع والمنطقة — فمنهم من تُغلِق الرسومُ البابَ في وجهه، ومنهم من يندسّ عبر الاستثمار الأخضر، ومنهم من يُماط به إلى الموت تحت التدقيق لأنه وقع في قائمة حساسة. ومقارنةً بصورة «السوق الأوروبية الموحدة» قبل خمس سنوات، فهذا عالم آخر بالفعل.
4. إلى أين تتجه الأمور بعد ذلك؟
راقب ثلاث إشارات لتحكم هل هذه «موجة» أم «طوفان»:
1. فرنسا 2027 — هل يفوز التجمع الوطني فعلاً بالرئاسة؛ 2. الجدار الناري الألماني — هل ينفتح فيه أول شق (ساكسونيا-أنهالت أصابته بكسر)؛ 3. أمريكا 2028 — هل تتحول MAGA من «حركة» إلى «مؤسسة».
اختراق أي إشارة من هذه الثلاث يعني تغيّر طبيعة الأمر.
أما لمن يدير الأصول عالمياً أو يُخرج الشركات إلى الخارج، فالمغزى الأكبر لهذه الموجة هو أن نظام الإحداثيات قد تغيّر. في الماضي، كان بإمكانك التعامل مع الانعطاف يميناً بوصفه «ضجيج حالات هامشية» وخصمه من قراراتك؛ أما الآن فهو يحدث في القوى الكبرى الصانعة للقواعد، لذا عليك التعامل معه كخطر نظامي للدول الأساسية وإدراجه في نموذج قراراتك.
ودفتر الخروج إلى الخارج أعلاه ليس سوى إسقاط ملموس لنظام الإحداثيات الجديد على الأعمال الحقيقية — التكاليف ترتفع، لكن النوافذ تنفتح أيضاً. السؤال هو: على أي طاولة تجلس.
والآن التفت إلى الشرق الأوسط؛ فرغم صغر السوق، فإن مزاياه الفريدة كجسر وسوق أساسية ستبقى قائمة.
⚠️ إخلاء مسؤولية: هذا المقال يعبّر عن آراء شخصية ولا يشكّل نصيحة استثمارية.